ابن الجوزي
367
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، فقلت : الجهاز بعد يوم / أو يومين ثم ألحقهم ، فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز ، فرجعت ولم أقض شيئا من جهازي ، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا [ من جهازي ] [ 1 ] ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارض الغزو [ 2 ] فهممت أن أرتحل فأدركهم ، وليت أني فعلت ، ثم لم يقدر ذلك لي ، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، [ فطفت فيهم ] يحزنني أن لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذره الله ، ولم يذكرني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : » ما فعل كعب بن مالك « ، قال رجل من بني سلمة : حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه ، فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا ، فسكت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . فقال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتفكر الكذب وأقول بما ذا أخرج من سخطه ، غدا أستعين [ 3 ] على ذلك كل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل ، وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه ، وصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت ، فقبل منهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت ، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي : » تعال « ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : » ما خلفك ؟ ألم تكن قد استمر ظهرك ؟ « . قال : فقلت : يا رسول الله ، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ولكنه والله لقد علمت لئن حدثتك [ اليوم ] بكذب ترضى به عني ليوشكن الله تبارك وتعالى / يسخطك علي ، ولئن حدثتك اليوم بصدق تجد علي فيه ، إني لأرجو قرة عيني عفوا من الله تعالى ، والله ما كان لي عذر ، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : » أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله تبارك وتعالى فيك « .
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : من المسند . [ 2 ] في الأصل : « العدو » والتصحيح من المسند والبداية والنهاية . [ 3 ] في الأصل : واسعنيت .